DISQUS SHORTNAME

Wednesday, April 20, 2016

الحاجة الشرعية




الحاجة الشرعية
ضوابطها - وشروط العمل بها - وأثرها في الفروع الفقهية
(دراسة نظرية وتطبيقية من خلال شروح المنهاج الثلاثة وحواشيها)
إعداد الباحث : محمد رفقي رضا الأندونيسي

بيان حقيقة الحاجة
تمهيد
إن أي حديث عن الحاجة ضبطا وتمييزا لها من غيرها ، إنما ينطلق أساسا من تحديد معناها تحديدا جامعا لكل حيثياتها ، مانعا لكل ما من شأنه أن يدخل فيها مما لا يعتبر من ماهيتها ، فيفسد حقيقيتها ؛ لحصول التداخل المؤدي إلى التخليط والالتباس.
كثير من الاختلاف بين أهل العلم يرجع في بعض الأحيان إلى عدم الاتفاق حول المصطلح ومعناه ، فيقع الجدال بين الشخصين في كثير من المسائل ، ويكون الجدال ، بل العراك في بعض الأحيان بين الشخصين بسبب عدم فهم كلام صاحبه ، فيرد كل واحد منهما على قضية لم يطرحها صاحبه . يقول ابن حزم -رحمه الله تعالى- : «هذا باب خلط فيه كثير ممن تكلم في معانيه ، وشبك بين المعاني ، وأوقع الأسماء على غير مسمياتها ، ومزح بين الحق والباطل ، فكثر لذلك الشغب ، والالتباس ، وعظمت المضرة ، وخفيت الحقائق».([1])
من أجل هذا، سأبدأ بعد هذا التمهيد بتحقيق معنى الحاجة  لغة واصطلاحا مع ذكر بعض النقولات عن علماء الأصول قديما وحديثا.
معنى الحاجة لغة
تداولت كلمة الحاجة في معاجم اللغة كثيرا، وهي في حقيقتها ذات دلالة واحدة وإن اختلفت تعبيرات هؤلاء فيها كما سيأتي.
«الحاجة» اسم مصدر من «احتاج» ، يقال : «احتاج الرجل- يحتاج- احتياجا-وحاجة»، وأصل الكلمة: «حوج». قال ابن فارس: «الحاء والواو والجيم أصل واحد : وهو الاضطرار إلى الشيء».([2]) وقال ابن منظرور:«الحاجة والجائحة : المأربة»([3])، والمأربة بمعنى الرغبة. وقال الأزهري : «الحاجة»: الافتقار الى الشيء، يقال : «احتاج الرجل إلى المال» : أي «افتقر إليه» ([4]) وقال الفيروزآبادي: «الحاجة» : البغية يقول الرجل : «لى عندك بغية» : أي حاجة ، والحوج : الطلب ، والحوج الفقر، والمحوج : المعدم من قوم محاويج.([5]) 
وتجمع «الحاجة» جموعا عديدة وهي «حاجات»، و«حاجّ»، و«حِوَجٌ»، و«حوائج» ([6])
ومما سبق ذكره من معاني الحاجة في اللغة..عرفنا أن الحاجة قد تكون بمعنى الاحتياج كما ذكره ابن فارس، وقد تكون بمعنى المأربة -وهي الرغبة- كما ذكره ابن المنظور، وقد تكون بمعنى الضرورة والبغية كما ذكره الفيروزآبادي .
وعند التأمل في هذه المعاني كلها..وجدناها متقاربة في الغاية ، إلا أن المناسب منها لمقام البحث «الافتقار إلى الشيء»؛ لأنه أعم من غيره ، وأنه جامع لتلك المعاني كلها، ومشير إلى غيره من المعاني المذكورة ؛ لأن ما يفتقر إليه يرغب فيه الإنسان ، ويبتغيه ، ويضطر إليه غالبا.
معنى الحاجة اصطلاحا
رغم أن علماء الأصول اتفقوا -فيما يبدو- على أن الحاجة الشرعية ذات تأثير في الأحكام الشرعية ، وأنها أمر متوسط بين الضرورات والتحسينيات ، فإننا مع ذلك لا نعلم أن أحدا منهم قد أتى بتعريف واضح لها حيث يبين حقيقتها وتميزها عن غيرها.
وإذا أمعنا النظر في كلامهم عن حقيقة الحاجة .. لاحظنا أنهم لم يأتوا بتعريف واضح لها بحيث يكون جامعا ومانعا، فالتعريفات التي ذكروها ليست حدودا حقيقية تسهم بشكل مباشر في فهم هذا المصطلح على حقيقته، بل كثير منهم من اكتفى بالتعريف بالمثال كإمام الحرمين([7]) والغزالي([8])والعز ابن عبد السلام([9]) والسبكي([10]). ومنهم من اكتفى ببيان المقصود العام من هذا المصطلح ، ويحاول تمييزه عن أشبه المصطلحات به وهو الضرورة ، ولذلك نجده يقرن تعريف الحاجة بتعريف الضرورة ثم يبدي الفرق بينهما كالزركشي([11]). ومنهم من أفاد في هذا الجانب وأجاد فعرفها تعريفا دقيقا يميزها عن غيرها وإن كان ذلك التعريف ما زال ناقصا وقابلا للاعتراض كالشاطبي([12]) .
ولعل عدم وجود التعريف الواضح للحاجة في القرون المتقدمة مع كثرة تداول مصطلح الحاجة في كلامهم راجع إلى زعمهم ظهور هذا المصطلح لديهم -كما اعترف به إمام الحرمين في البرهان([13])-؛ فلا يحتاجون إلى التعريف لضبطها ، بل يكتفون بالمثال ؛ للتمييز عن غيرها ، وهذا هو الغالب في شأن المتقدمين . أو راجع إلى أن ضبطها أمر صعب ؛ لكثرة أنواعها ؛ فيكتفون بتقريبها إلى الغرض أو التنبيه عليه .
وبهذا المعنى صرح إمام الحرمين في «الغياثي» عند حديثه عن تنزيل الحاجة منزلة الضرورة. قال إمام الحرمين : «فالحاجة لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول ، والمقدار الذي بان أن الضرورة ، وخوف الروح ، ليس مشروطا فيما نحن فيه ... ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب ، وحسن ترتيب ، ينبه على الغرض...».([14])
  ولتأكيد ما قلت سابقا سأذكر جملة من النصوص المنقولة عن الأصوليين التي تساعد في فهم حقيقة الحاجة.
تعريف إمام  الحرمين الجويني
لعله أول من تعرض للكلام عن الحاجة ، وذلك عند حديثه عن تنزيل الحاجة منزلة الضرورة. وقد مر قريبا نقل كلامه في «الغياثي» ، وهو يقر بصعوبة ضبط حقيقيتها ضبط التخصيص ، والتمييز ، حتى تتميز تميز المسميات والمتلقبات، و يصرح بأن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب، ينبه على الغرض.
ومع اعترافه بذلك ، فقد حاول في تعريف الحاجة عند حديثه عن الوصف المناسب الحاجي فقال : «والضرب الثاني : ما يتعلق بالحاجة العامة ، ولا ينتهي إلى حد الضرورة ، وهذا مثل تصحيح الإجارة ؛ فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها ، وضنة ملاكها بها على سبيل العارية ... ». ([15])  
وهذا النص الذي ساقاه إمام الحرمين لا يمكن اعتباره تعريفا حقيقيا للحاجة ؛ لأنه لم يذكر فيه أوصاف ، أو قيود ، أو مخترزات تختص بها الحاجة ، وإنما نبه على أن الحاجة أقل من الضرورة رتبة، وأنها قد تنزل منزلة الضرورة فيما إذا كانت عامة. ثم يمثل الحاجة بمثال يقرب صورتها في الذهن. وهذا التعريف لا يعدو عن كونهه نوعا من أنواع التعريف بالمثال ، وهو لا يعطينا تصورا كاملا عن حقيقة المعرَّف.
تعريف الحاجة عند الامام الغزالي
لم يتعرض الغزالي لتعريف الحاجة يبين حقيقتها ، وكان شأنه في ذلك  كشأن إمام الحرمين شيخه، بل يكتفي بذكر المثال لها عند حديثه عن الحاجة ضمن مبحث المصلحة.
قال الغزالي في «المستصفى» : «...الرتبة الثانية : ما يقع في رتبة الحاجات من المصالح والمناسبات . كتسليط الولي على تزويج الصغيرة والصغير، فذلك لا ضرورة إليه ، لكنه محتاج إليه في اقتناء المصالح ...». ([16])  
وهذا النص لا يمكن اعتباره تعريفا حقيقيا للحاجة أيضا ؛ لما مر عند بيان تعريف إمام الحرمين.
تعريف الشاطبي
قال الشاطبي : «وأما الحاجيات فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب . فإذا لم تراع..دخل على المكلفين-على الجملة- الحرج والمشقة ، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة ». ([17])
 وهذا التعريف الذي ساقه الشاطبي يعد من أحسن تعريفات العلماء المتقدمين للحاجة ، وأقربها إلى بيان حقيقتها ، بل يمكن القول بأن هذا التعريف هو التعريف الوحيد الذي يصدق على الحاجة ويميزها عن غيرها عند العلماء المتقدمين ، إلا أنه لا يدخل فيه بعض أنواع الحاجة ، وهي الحاجة الخاصة ؛ لأن الحاجة الخاصة إذا أهملت فإنه لا يدخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ، وإنما يلحق الفرد الواحد ، وإنما يلحق بعض الناس الحرج والمشقة .
هذه هي التعريفات التي عثرتُ عند علماء المتقدمين بحسب ما اطلعت عليها ،  وهي في الغالب ليست تعريفات بالمعنى المصطلح عليه ؛ لعدم توفر الشروط في الحدود والتعريفات ، وإنما هي عبارات عن التمثيل التي تبين الحاجة ، وتميزها عن غيرها ، إلا أنه يمكن الاستفادة منها فائدة مهمة في بيان معنى الحاجة ، وضبطها ، وتمييزها عن غيرها.
وعلى هذا ، فقد استفاد كثير من الباحثين ، والعلماء المعاصرين من هذه التعريفات ، فصاغوا منها تعريفات للحاجة .
تعريفات الحاجة عند المعاصرين
          قد استفاد العلماء المعاصرون والباحثون  من تعاريف هؤلاء ، فصاغوا تعريفا آخر غير ما ذكروه. وانطلاقا من ذلك ، سأعرض في هذا المقام عدة من تعاريف المعاصرين للحاجة ؛ ليكون القارئ على بصيرة تامة حولها. 
          عرف الشيخ مصطفى الزرقا الحاجة بقوله : «وأما الحاجة : ما يترتب على عدم الاستجابة إليها عسروصعوبة».([18])
          وعرف الشيخ أحمد الزرقا بقوله : «والحاجة : هي الحالة التي تستدعي تيسيرا ، أو تسهيلا لأجل الحصول على المقصود ، فهي دون الضرورة من هذه الجهة ، وإن كان الحكم الثابت لأجلها مستمرا ، والثابت للضرورة مؤقتا».([19])
          وعرف الدكتور رفيق العجم : «الحاجيات : وهي الأمور التي تسهل للناس حياتهم ، وترفع الحرج والمشقة عنهم ، فإذا اختلت كلها ، أو بعضها..وقعوا فى الحرج ، ولحقتهم المشقة دون أن يختل نظام حياتهم كما في اختلال الضروريات ، وهي في جملتها ترجع إلى تيسير التعامل بين الناس ، والترخيص بأحكام تخفف المشقات ، وترفع الحرج ، وإباحة ما غني للإنسان عنه».([20])
وعرف الدكتور محمد أبو زهرة : «وأما الحاجة التي تبيح المحرم لغيره أو لعارض فهي أن يترتب على الترك ضيق وحرج».([21])
وقال الدكتور نور الدين الخادمي : «الحاجة الشرعية : هي الحالة التي يكون فيها الاحتياج واقعا دون الضرورة أو الاضظرار ، فيباح المحرم ؛ لعارض ، وعلى خلاف القواعد ؛ لإزالة الحرج والمشقة ، ولجلب التيسير والتخفيف ، ويكون ذلك الحكم مؤبدا دائما».([22])
هذه هي التعريفات للحاجة عند المعاصرين ، وعلى كل .. فإننا لو تأملنا فيما سبق من تعريفات الحاجة عند المتقدمين والمعاصرين .. وجدنا أن بينها تقارب في شيء كثير. فالتعريفات المذكورة قد اكتمل بعضها ببعض. وكلها تدل على ما يأتي :
1.     أن الحاجة أخص من المصلحة ؛ لأنها جزء منها.
2.     وأن الحاجة تتعلق بشيء يفتقر إليه الإنسان ويسعى إلى تحقيقه.
3.     وأن الحاجة أقل رتبة من الضرورة وأعلى من التحسينية باتفاق العلماء.
4.     وأن الحاجة سبب من الأسباب الداعية إلى استثناء الحكم عن القواعد العامة (القياس).
5.     وأن الحاجة شرعت لأجل دفع الحرج ، والمشقة ؛ تحقيقا لمقاصد الشريعة. أي : أن الحاجة سبب من أسباب التخفيف والتيسير.
6.     وإن من الحاجة ما يكون الحكم الثابت به مستمرا وهو الحاجة العامة، ومنها ما يكون الحكم الثابت به مؤقتا بوجودها ويزول بزوالها وهو الحاجة الخاصة.
فهذه النقاط الستة هي خصائص الحاجة و المعانى الكامنة فيها ، وهي تعتبر أمورا جذرية تكوّن حقيقة الحاجة المصطلح عليها عند العلماء ، فينبغي التنبه إلىها قبل العروج إلى لب هذا البحث ؛ ليكون متابعا ومستوعبا على فهم ما سردتُ فيما بعد.        
المصطلحات ذات العلاقة بالحاجة.
وبعد عرض معنى الحاجة في اللغة والاصطلاح ، فإن الالتباس ما زال محيطا بالباحث ، وهذا الالتباس لا يكون في ماهية الحاجة ، ولكنه كامن في جانب آخر، وهو ورود كثير من المصطلحلات التي استعملها العلماء في كتبهم وكانت تلك المصطلحات تقوم في بعض الأحيان مقام الحاجة.
وللكشف عن ذلك الغموض وإزالة الالتباس بينها وبين غيرها يحتاج إلى بيان ذلك. 
1.    المصلحة : المصلحة : الصلاح ، والمصلحة : واحدة المصالح.([23]) وهي ضد المفسدة ، كما أن الصلاح ضد الفساد . والمراد بالمصلحة فيما اصطلح عليه علماء الشريعة الاسلامية : «المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده ، من حفظ دينهم ، ونفوسهم ، وعقولهم ، ونسلهم ، وأموالهم ، طبق ترتيب معين فيما بينها».([24]) وبين المصلحة والحاجة عموم وخصوص وجهي ، فقد تطلق المصلحة على الحاجة وغيرها ، وكذلك الحاجة قد تكون في محل المصلحة.
2.    عموم البلوى : وهي تتكون من اللفظتين : «عموم» و«بلوى». ومعنى «عموم» في اللغة : «الشمول والكثرة»، يقال : «عم الشيء-يعم-عموما ، إذا كثر وشمل»([25]). ومعانى «البلوى» في اللغة كثيرة ، والمناسب في هذا المقام : «الاختبار والتكليف».([26])وبناء على ذلك ، فمعنى «عموم البلوى» في اللغة : «شمول الاختبار ، والتكليف ، أو كثرته». وأما في الاصطلاح فهي : «الحالة ، أو الحادثة التي تشمل كثيرا من الناس ، ويتعذر الاحتراز منها».([27]) أو «شمول التكليف لجميع المكلفين أو أكثرهم ».([28]) ولعموم البلوى أسباب ، وقد ذكر العلماء عدة من الأسباب ، منها ما هو عام ، ومنها ما هو خاص . ومن الأسباب الخاصة : ما يرجع إلى المكلف ، ككبر سن المكلف . ومنها ما يرجع إلى الفعل ، كالحاجة لمعاملة ما([29]). ومن هنا عرفنا أنها من الأسباب الخاصة لعوم البلوى.   وبناء على ذلك ، فالنسبة بين عموم البلوى وبين الحاجة عموم وخصوص وجهي. أي : أن عموم البلوى أعم من الحاجة ؛ لأن أسبابها قد تكون الحاجة ، وقد تكون غيرها. فيشتركان في عموم البلوى إذا كان سببه الحاجة ، ويفترقان فيها إذا كان سببه غير الحاجة.
3.    المشقة و الحرج وعسر الاحتراز : المشقة لغة مصدر للفعل «شقّ» ، يقال : «شقّ الأمرُ يشقُّ- شقّا-ومشقّة ، إذا كان صعبا وشديدا  ومجتهدا».([30]) وأما في الاصطلاح فلم أجد من صرح بتعريف المشقة وبيان حقيقتها ، وإنما تعرضوا لأنواعها ، وما يؤثر منها ، وما لا يؤثر. قال الدكتور يعقوب الباحسين : «أما معناها في الاصطلاح : فلم أجد أحدا-فيما اطلعت عليه- عرّف المشقة في الاصطلاح ، لكن عددا من علماء السلف تكلموا عن أنواع المشاق ؛ لتمييز ما لا تكليف فيه عما فيه تكليف ، وتمييز ما سبب للتخفيف عما لم يعتبره».([31])
فعلى ذلك فإن النسبة بين المشقة والحاجة إذن عموم وخصوص مطلق ، حيث أن المشقة منها ما هي سبب للنخفيف كالحاجة ، ومنها ما ليس كذلك. فكل حاجة مشقة ، ولا عكس.
4.     الضرورة : يعد مصطلح الضرورة من أشد المصطلحات علاقة بالحاجة . وهذه العلاقة لها أثر واضح في حقيقة كل منهما وأحكامه ، وإبراز العلاقة القائمة بينهما ، وبيان أوجه الالتفات ، والافتراق بينهما مطلب في غاية الأهمية . وقد تستعمل الحاجة مقام الضرورة كما أن الضرورة قد تستعمل مقامها ، وأمتلثة ذلك كثيرة في الفروع الفقهية.  
تقسيمات الحاجة الشرعية
تنقسم الحاجة الشرعية إلى عدة أقسام تبعا لوجهة نظر التقسيم ، ومن التقسيمات التي ذكرها العلماء المتقدمون والمعاصرون ما تأتي :
Ø     التقسيم الأول : باعتبار العموم والخصوص.
تنقسم الحاجة باعتبار العموم والخصوص إلي قسمين : الحاجة العامة :  وهي التي يحتاج إليها الناس جميعا فيما يمسُّ مصالحهم العامة من زراعة، وصناعة ، وتحارة ، وسياسة عادلة ، وحكم صالح ، كمشروعية الإجارة ، والجعالة ، والحوالة. والحاجة الخاصة : وهي التي لا يحتاج إليه جميع الناس أو معظمهم ، كـتجويز تضبيب الإناء بالفضة ، وتجويز أكل المحارب من مال الغنيمة في دار الحرب.
Ø     التقسيم الثاني : من حيث الإلحاح وعدمه
تيقسم الحاجة باعتبار الالحاح وعدمه إلى نوعين : الحاجة المُلِحَّة : وهي الحاجة الملازمة التي يقبل عليها الناس ، ويواظفون عليها ؛ لشدة حاجتهم إليها، كجواز تزويج البكر الصغيرة عند ظهور الحاجة إليه. والحاجة غير المُلحَّة : وهي التي ليست بملازمة بحيث يمكن الاستغناء عنها كالحاجة إلى النكاح عند أمن الوقوع في الزنا والحاجة.
Ø     التقسيم الثالث : باعتبار المقاصد
تيقسم الحاجة باعتبار المقاصد إلى :
1.    الحاجة الأصلية : وهي التي تقصد أولا ولذاتها. كالبيع ، والاجارة ، والنكاح ، والمساقاة ، والمضاربة ، وما أشبه ذلك. والحاجة الزائدة أو تبعية : وهي التي ذكرت على سبيل التبعية لشيء أخر مقصود في ذاته : كوجوب الكفارة ، ومهر المثل ، والخيار.
Ø     التقسيم الرابع : باعتبار مصالح الدارين
تنقسم الحاجة باعتبار مصالح الدارين إلى نوعين : الحاجة الدنياوية : وهي المصالح الحاجية التي لها تعلق بالدنيا : كالبيع ، والشراء ، والرهن، وغير ذلك . والحاجة الأخروية : وهي المصالح الحاجية التي لها تعلق بالآخرة : كالسنن المؤكدات ، والشعائر الظاهرات ، وغير ذلك.
وهناك تقسيات أخرى للحاجة لم أذكرها ؛ لضيق المقام . ولا أريد أن أبين هذه التقسيمات كلها ، وإنما بحثي ينحصر على التقسيم الأول والثاني ؛ لأنهما مهمان بالنسبة إلى هذا البحث ؛ إذ ليس كل التقسيم ذات تأثير بين في إثبات الأحكام الشرعية ، وإنما التأثير غالبا ما يكون من القسمين المذكورين.   
تقسيم الحاجة من حيث العموم والخصوص
وهذا هو التقسيم الوحيد الذي نص عليه العلماء في كتبهم حسب ما اطلعت عليه . وكل من تكلم عن الحاجة .. نجد أنه لا يغفل الكلام على هذين القسمين ، ولا شك أن هذه مزية اختص بها هذان القسمان عما عداهما من سائر الأقسام للحاجة . وهذا التقسيم أيضا له أثر كبير في الأحكام كما سنراه إن شاء الله
القسم الأول : الحاجة العامة
وهي : التي يحتاج إليها الناس جميعا فيما يمس مصالحهم العامة من زراعة ، وصناعة ، وتجارة، وسياسة عادلة ، وحكم صالح.([32])  وقد سماها عز الدين ابن عبد السلام «المصلحة العامة»، والشيخ عبد الله بن محفوظ بن بيه «الحاجة الأصولية».([33])
          وفي بعض الأحيان يستعمل الفقهاء لفظ الضرورة ويراد بها الحاجة العامة.
          ونبه على هذا القسم إمام الحرمين -رحمه الله تعالى- في «البرهان» عند حديثه عن مراتب المصالح وسماها حاجة الجنس. ([34]) والحاجة التي تعتبر في الجنس هي الحاجة العامة ، أو الحاجة الأصولية ، وقد تمهد في الشريعة أن الأصول إذا ثبتت قواعدها ..فلا نظر إلى تحقيق معناها في آحاد النوع. 
مثال ذلك :  مشروعية السلم ؛ فإنه جوز للحاجة مع أن الأصل فيه التحريم ؛ لما فيه من الغرر. ومشروعية الإجارة ، فإن العقد فيها وارد على المنافع تستوفى مع مرور الزمن ، والأصل في العقود أن يكون المعقود عليه موجودا وقت العقد. ومشروعية الاستصناع .
القسم الثاني : الحاجة الخاصة
          وهي التي تحتاج إليها فئة من الناس كأهل مدينة معينة ، أو أرباب حرفة محددة ، أو يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورورن.([35]) وليس المراد مها أنها تكون مختصة بفرد من الأفراد ، وإنما المقصود أنها ليست مما يحتاج إليها عامة الناس ، فقد يحتاج إليه بعضهم من أهل بلد معين ، أو يحتاج إليها فرد من الأفراد كما سيتضح من خلال التمثيل. قد تسمى أيضا «الحاجة الشخصية» ؛ نظرا لتعلقها بالأشخاص . و«الحاجة الفقهية»([36]) ؛ لأنها هي التي يشترط الفقهاء وجودها وتحققها لإباحة كثير من الأحكام الاستثنائية.
مثال ذلك : جواز النظر للطبيب إلى عورة المريض عند الحاجة إلى ذلك . ومشروعية النظر إلى المخطوبة . حرم الشرع لُبسَ الذهب ، والحرير على الرجال.([37])
والمتتتع على الفروع الفقهية تتبعا كاملا .. يجد الأمثلة للحاجة الخاصة كثيرة كاد ألا تُحصى ، ولست بصدد بيان هذه الأمثلة في هذا المقام ، ولكن سيأتي مزيد بيانه في المبحث الرابع مع نقل كلام أئمة الشافعية في ذلك عند حديثي عن الأمثلة التطبيقية تشهد على ذلك.
﴿تنبيه : رغم أن علماء الأصول قد شرحوا شرحا وافيا هذين القسمين ، وبينوا مراد كل منهما مع ذكر أمثلة تزيد وضوحا .. فإننا مع ذلك قد لا نعلم أهم الفرق بين الحاجة العامة والخاصة . من أجل هذا سأعرض في هذه الفقرة  جملة من الفروق بينهما ، ثم نعود بعد ذلك إلى بيان التقسيم الثاني من تقسيمات الحاجة.
     وبعد تصفح كلام العلماء في هذا المبحث ، يمكن أن نستخلص أهم الفرق بيهما فيما يأتي : 
1.     إن الحاجة العامة لا يشترط تحققها في كل فرد من الأفراد من أجل جواز العمل بها ، وإنما هي جائزة للجميع ، المحتاج وغيره. بينما الحاجة الخاصة لا بد من التحقق من وجودها ، ولا يكتفى  بوجود مظنتها.
2.     إن الحاجة العامة تثبت أحكاما مستمرة ، ولا يؤثر فيها بقاء الحاجة أو زوالها. بينما الحاجة الخاصة تثبت أحكاما مؤقتة ، ويؤثر فيها بقاء الحاجة أو زوالها.
تقسيم الحاجة من حيث الإلحاح وعدمه
والمقصود بالالحاح : «الملازمة والمداومة» ، يقال : ألحّ على الشيء-إلحاحا ، إذا أقبل عليه ، وواظف على طلبه ولم يفتر([38]) . وعلى هذا يكون معنى الحاجة الملحة : هو الحاجة الملازمة التي يقبل عليها الناس ويواظفون عليها ؛ لشدة حاجتهم إليها .
أما الحاجة غير ملحة : فهي مجرد الحاجة من غير أن يقترن بها ما يرفعها فوق ذلك . ولذلك فإن الاستغناء عنها  أسهل وأهون من الاستغناء عن قسيمتها.([39])
وهذا التقسيم لم يصرح به العلماء في كتبهم ، ولكن يفهم من وصفهم بعض الحاجة بالإلحاح أن من الحاجات ما هو ملحٌّ ، ومنها : ما هو غير ملح .
وأغلب من يستعمل هذه التسمية المالكية ، ولكن لا يعني أن المالكية لا يعبر عنها بغير هذه التسمية ، بل قد يعبرون عنها بالشدة  كما سيأتي . فمن ذلك ما جاء في «المدونة» في مسألة إخراج الزكاة في السفر . قال أشهب : «إن كان ماله وراءه في بلاده ، وكان يقسم في بلاده عاجلا عند حولها ، وما أشبه ذلك .. فلا أرى أن يقسمها في سفره . وأرى أن ذلك أفضل ، إلا أن يكون بأهل الموضع الذي هو به حاجة ملحة .. .».([40])
وهذا التعبير وقد عبر غير المالكية عن هذين القسمين بتعبيرات لا تخالف التعبير المذكور ، وهي تعبيرات كثيرة، منها :
1.    الحاجة الشديدة ، والحاجة غير شديدة . وهذا التعبير منتشر عند العلماء ، لاسيما عند المالكية والشافعية . فمن أمثلة ذلك : ما قاله الحطَّاب نقلا عن ابن رشد قال : «قوله : في أهل برقة يستسقون إذا لم يسل واديهم الذي يشربون منه ، وإن كانوا قد مطروا ، ما زرعوا عليه الزرع الكثير ، إنما يريد بذلك الدعاء ، لا البروز إلى المصلى على سنة الاستسقاء ؛ لأن ذلك إنما يكون عند الحاجة الشديدة إلى الغيث حيث فعله رسول الله-صلى الله عليه وسلم-».([41])
2.    الحاجة الماسة والحاجة غير الماسة : وهذا التعبير يكون هو الأكثر عند الأصوليين والفقهاء . ومن ذلك : ما ذكره ابن الهمام في باب العبد يعتق بعضه حيث قال : «لا شك في كثرة وقوع عتق الكل وندرة عتق البعض ، وفي أن ما كثر وجوده ، فالحاجة إلى بيان أحكامه أمس منها إلى ما يندر وجوده ، وأن دفع الحاجة الماسة مقدم على النادرة ؛ فلذا أُخّر هذا عما قبله».([42]))
3.    الحاجة المتأكدة : ويستعملها أيضا كثير من الفقهاء ، ومن ذلك ما قاله الشيخ سليمان الجمل عند حديثه عن التفريق بين البساتين ومراقف القرية : «ويفرق بين البساتين ومرافق القرية بأن البساتين لا تدعو الحاجة إليها إلا نادرا ، بخلاف مرافق القرية من نحو مطرح الرماد وملعب الصبيان ؛ فإن الحاجة المتأكدة بل الضرورة داعية إليها ؛ لأن أهل القرية لا يستغنون عنها فاشترطت مجاوزتها([43]).
وهذه التعبيرات وإن اختلفت ألفاظها إلا أنها تدل على مقصود واحد وهو كما أشرت إليه في بداية هذا المبحث أن الحاجة ليست على درجة واحدة من حيث القوة والضعف ؛ فإن الافتقار إلى الشيء قد يكون زائدا على القدر المألوف ومتكررا فحينئذ يكون الحاجة شديدة وملحة ومتأكدة، وإن لم يكون كذلك فهي ليست شديدة وملحة ومتأكدة.
تنزيل الحاجة منزلة الضرورة
الأصل أن المحرمات لا يجوز تناولها إلا عند وجود الضرورة ، وأن غيرها من الحاجات والتحسينات لا يقوم مقامها في إباحة المحرّمات أو  تحليلها ، وقد نقل عن إمام الشافعي-رضي الله تعالى عنه أنه قال : «... وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات...»([44]).
وكان إمام الحرمين يذكر أمثلة كثيرة من الفروع الفقهية المبنية على الحاجة في ذلكين الكتابين  ، ولكنه أراد بالحاجة مفهومها الأصولي كما أشار إليه الشيخ عبد الله بن بية([45]). وبعد أن نضج علم أصول الفقه .. بدأ يظهر علم القواعد الفقهية ، وكان الفقهاء لما نظروا إلى الفروع الفقهية .. وجدوا كثيرا من الأحكام مبني على تلك الحاجة ؛ فصاغوا قواعد خاصة تضبط تلك الأحكام ، فمن تلك القواعد قاعدة : «الحاجة تنزل منزلة الضرورة» ، إلا أن بعض الفقهاء لما نقلوا هذه القاعدة عن مفهومها الأصولي إلى القواعد الفقهية أطلقوها من تقديم ضوابط تضبطها مما أوهم بعض الباحثين المعاصرين أنه كلما لاحت لواءح مشقة أو عرضت حاجة .. يعلن الإباحة ، وكأنه يستند إلى قاعدة قطعية تدل على الحكم بلا واسطة ، شأن الضرورة الفقهية بمعناها الأخص ولا فرق بينهما ([46]).

أدلة اعتبار الحاجة
لم يكن هناك دليل صريح يدل على اعتبار الحاجة في الشريعة الغراء بخصوصها، فمن وقف على تلك الأدلة بالنظر السطحي ..كاد أن يقول بعدم وجودها ، وهذه النتيجة مخالفة للواقع ؛ إذا الواقع يدل على عكس ذلك.  وقد استدل بها كثير من العلماء على اعتبار الحاجة ، وهي-عند أول النظر- لا تدل على ما قالوا ؛ لأنها لا تشمل لفظ الحاجة بالصراحة ، إلا أنه عند التدقيق فيها يتبين أنها دالة على اعتبار الحاجة ؛ لأنها أدلة عامة تدل بعمومها على اعتبار كل ما كان شاقّا على الناس وخارجا عن مقدرتهم في الأحوال العادية ، ولا شك أن الحاجة كما مر في المبحث الأول- من الأمور التي يتحقق فيها هذا المعنى ، وتشترك مع غيرها مما يشبهها في الصفات والأحكام كالمصلحة ، والمشقة ، والحرج ، والتخفيف ، ولذلك فإن استدلال بهذه الأحكام من الاستدلال بالعام على الخاص.
ü     أولا : أدلة اعتبار الحاجة من الكتاب.
وردت آيات كثيرة في معرض التعليل لأحكام جزئية ، وعند التأمل في هذه الآيات نجد أنها غالبا لا تخرج عن اعتبار الضرورة ، ورفع الحرج والمشقة ، وطلب التيسير والتخفيف. وقد بسطت الكلام عن العلاقة بين الحاجة وبين هذه الأمور كلها بوضوح ، ولا داعي إلى إعادته هنا. وعموما فإن الآيات الدالة على اعتبار ما ذكر فهي في حد ذاتها دالة على اعتبار الحاجة .
فمن الآيات الدالة على اعتبار الحاجة : قوله تعالى : ﴿ إنما حرم عليكم الميتةوالدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) وقوله تعالى : ﴿ فمن اضطر في مخمصة ... وقوله تعالى : ﴿ فمن اضظر غير باغ .... فهذه الآيات جائت في معرض بيان حكم الاضظرار إلى المحرمات عموما ، وإلى محرمات الغذاء خصوصا. ووجه المناسبة بين هذه الآيات وبين اعتبار الحاجة  أن الحاجة لما كانت تنزل منزلة الضرورة فإنها يعطى حكمها . وعلى هذا ، فإن دليل اعتبار الضرورة في حد ذاتها دليل على اعتبار الحاجة.([47])
  ومن الآيات الدالة على رفع الحرج والمشقة : قوله تعالى : ﴿ يريد الله بكم اليسر ... وقوله تعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل ... وقوله تعالى : ﴿ ليس على الأعمى حرج ....  إن رفع العسر والحرج عن الناس فيما ألزمهم به من أحكام يقتضي أن تكون تلك الأحكام دائرة مع مصالحهم مقتضياتهم ، وإلا .. لما ارتفع الحرج والعسر بحال . وقد مر معنا فيما سبق أن الحاجة سبب من أسباب الحرج والمشقة فلا يمكن رفع ذلك الحرج والمشقة إلا برفع السبب المؤدي إلىه.
ومن الآيات الدالة على التيسير : قوله تعالى : ﴿يريد الله بكم اليسر ... وقوله تعالى : ﴿يريد الله أن يخفف عنكم....  لقد بين الله عز وجل في هتين الآيتين أنه تعالى خفف عنا ما فيه مشقة وضيق ، وذلك مجرد فضل ورحمة منه بعباده ، وإحسان منه إليهم ، وعدم الاستجابة للحاجة مما يترتب عليه شيء من ذلك كما علم مما سبق في تعريفها ؛ فبناء على ذلك تكون هذه الآيات وأمثالها دالة بعمومها على اعتبار الحاجة.
ثانيا : أدلة من السنة
          السنة النبوية الدالة على اعتبار الحاجة ومشروعيتها كثيرة لا تحصى ، وهي في الحقيقة جائت مؤكدة ومؤيدة لما جاء به القرآن العظيم. وإذا تأملنا فيما ورد من السنة.. نجد عددا من الأحاديث القولية والفعلية التي يستفاد منها مشروعية العمل بالحاجة ، غير أن المقام لا يسعني لذكرها على سبيل الاحاطة ؛ ولذلك فسأكتفي بذكر جملة منها ذات أولوية وأهمية في الدلالة على الهدف المبتغى. فمن جملتها :
1.     قوله صلى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار»([48])
2.     قوله عليه الصلاة والسلام : «إن الدين يسر ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».
3.     قوله عليه الصلاة والسلام : «يسرا ولا تعسرا ، بشرا ولا تنفرا»
ثالثا : أدلة من العقل
          مهما أن الأمر قد ثبت واتضح بثبوت الأدلة من الكتاب والسنة .. فإني أريد أن أذكر شيئا من الأدلة العقلية الدالة على اعتبار الحاجة تأييدا لها مع أنها في حد ذاتها كافية على إثبات اعتبار الحاجة في الشريعة الغراء.
1.     و كانت الحاجة غير معتبرة عند الشارع لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف ، وكل ذلك منفي عن الشريعتنا الغراء ؛ ووجد التناقض أن الشريعة موضوعة على عدم قصد الاعنات والمشقة ، بل موضوعة على قصد الرفق والتيسير ، ولو كانت الحاجة  غير معتبرة .. لأدى  عدم اعتبارها إلى حصول الإعنات والمشقة.
وإلى هذا المعنى أشار إمام الشاطبي بقوله : «... والثالث: الإجماع على عدم وقوعه-أي عدم وقوع التكليف بالإعنات والمشقة- وجودا في التكليف، وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه، ولو كان واقعا .. لحصل في الشريعة التناقض والاختلاف، وذلك منفي عنها؛ فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة - وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتيسير- كان الجمع بينهما تناقضا واختلافا، وهي منزهة على ذلك([49]).
ضوابط الحاجة الشرعية
ليس كل ما يفتقر إليه الإنسان من الحاجات يصلح أن يكون سببا شرعيا من أسباب الرخصة لكل ما يتحقق فيه الحرج والمشقة ، وليس كل ما فيه الحرج والمشقة يستحق أن يرخص فيه ، بل لكل منهما ضوابط تضبطه وتقيده حتى لا يخرج عن حدوده الشرعية.
لم يتعرض العلماء المتقدمون على ضوابط الحاجة حتى تجعلها منضبطة تصلح لاستثناء الأحكام الشرعية التي لا توافق مع مقاصد الشريعة الغراء ، ولكن هذا لايعني أن العلماء لما أثبتوا الأحكام الجزئسة بها يتفلتون عن القيود تقيدها وعن الضوابط تضبطها ، حاشا أن يكون كذلك.
 وهذه هي الضوابط التي ذكرها العلماء والباحثون من خلال تأملهم في كلام المتقدمين :
الضابط الأول : اندراجها في مقاصد الشارع.
الضابط الثاني : أن لا تخالف النص من الكتاب والسنة بحيث لا يمكن الجمع بينهما
الضابط الثالث : ألا يعارض الحاجةَ ما هو أقوى منها.
الضابط الرابع : أن تكون الحاجة متحقة يقينا أو ظنا.
االضابط الخامس : أن تكون المشقة المترتبة على ترك الحاجة بالغة درجة المشقة غير المعتادة([50]).
الضابط السادس :  ألا تعود إلى الضرورة بالإبطال([51]).
شروط العمل بالحاجة
الشرط الأول :    وجوب الرجوع إلى أهل العلم في الحاكم بالحاجة والعمل بمقتضاها.
الضابط الثاني : السعي لتقصير وقت الاستجابة المبنية على الحاجة.
الضابط الثالث : أن بتقيد ما يباح للحاجة بوجودها.
الضابط الرابع : أن يقدر ما يباح للحاجة بقدرها.
الضابط الخامس : وجود التقيد بالحدود الذي تؤثر فيها الحاجة.
أمثلة  تطبيقية في العبادات
المسألة الأولى : جواز تضبيب الإناء بالفضة من غير كراهة
المسألة الثانية : لبس الحرير واستعمال الذهب للرجال
المسألة الثالثة : تعدد الجمعة في البلدة الواحدة إذا عسر اجتماع الناس في محل واحد
المسألة الرابعة : إباحة ستر بعض الرأس للمحرم بما يعد ساترا
المسألة الخامسة : حل أخذ نبات الحرم لعلف البهائم وللدواء
أمثلة تطبيقية في المعاملات
المسألة الأولى : بيع العرايا
المسألة الثانية :  جواز ركوب الدابة للمشتري ظهر منها العيب عند تعذر الرد إلى البائع إلا به
المسألة الثالثة :  نقض الإمام الأرض التي حماها للمصلحة
المسألة الرابعة : أجرة الحمام
المسألة الخامسة : جواز بيع عقار الصبي
أمثلة تطبيقية في المناكحات
المسألة الأولى : تزويج المجنون أو المجنونة
المسألة الثانية : سنية النظر إلى المرأة قبل خطبتها.
المسألة الثالثة : جزاو مس المرأة والنظر إلىها للتداوي والفصد والحجامة
المسألة الرابعة : جواز النظر إليها للمعاملة والشهادة
المسألة الخامسة : جواز الاكتحال لنحو رمد للمحدة
          وأختم كلامي كما بدلأته بحمد الله رب العالمين ، وأسأله أن يهديني إلى الحق ويوفقني للتسلك به وأضرع إليه أن يختم حياتي بصالح الأعمال إن نعم المولى ونعم النصير. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد ببه رب العالمين.
والله أعلم بالصواب
,


 ([1]) الإحكام في أصول الأحكام لإبن حزم : (1/35) .
 ([2])  مقاييس اللغة لابن فارس : (ص287) مادة : «حوج». وتهذيب اللغة للأزهري : (5/134) مادة «حاج».
 ([3])  لسان العرب لابن المنظور  :(2/242) مادة : «حوج».
 ([4])  ينظر : تهذيب اللغة للأزهري : (1/693) مادة : «حاج»، والقاموس المحيط للفيروزآبادي  :(ص457) مادة :«فقر».
 ([5])  ينظر : القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص185) مادة : «حوج».
 ([6])  ينظر :  تهذيب اللغة، للأزهري  : (1/692) مادة «حاج»، والصحاح للطبري : (1/307)، مادة «حوج»، ومقاييس اللغة لابن فارس : (ص287) مادة «حوج»، ولسان العرب لابن المنظور : (2/242) مادة «حوج». والقاموس المحيط للفيروزآبادي : (ص185) مادة  «حوج».
([7]) ينظر : البرهان : (2/924)
([8]) ينظر : المستصفى: (3/482)، وشفاء الغليل : (161-163).
([9]) القواعد الكيرى : (2/123).
([10]) الإبهاج : (3/55).
([11]) المنثور : (2/319).
([12]) الموافقات : (2/10-11)
([13])      ينظر : البرهان : (2/924).
 ([14]) الغياثي : (478-479).
 ([15])  البرهان : (2/924).
 ([16]) المستصفى: (3/482-483). وشفاء الغليل : (161-163).
 ([17]) الموافقات للشاطبي: (2/10-11).
 ([18]) المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا : (2/1005).
 ([19]) شرح القواعد الفقهية لأحمد الرزقا : (ص209).
 ([20]) موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين : (ص537).
([21]) أصول الفقه لأبي زهرة (صـ42).
([22])  انظر : الحاجة الشرعية لنور الدين الخادمي، بحث منثور في مجلة العدل. 
([23])  لسان العرب لابن منظور : (2/517) .
 ([24])  ينظر : ضوابط المصلحة لمحمد سعيد رمضان البوطي : ( ص23)، وصناعة الفتوى لعبد الله بن بيه : (ص 217).
 ([25])  ينظر : القاموس المحيط لابن فارس مادة «عمم».
 ([26])  ينظر : مقاييس اللغة لابن فارس  مادة : «بلوى».
 ([27])  صناعة الفتوى في فقه الأقليات لابن بية : (صـ 218).
 ([28])  إجابة السائل شرح بغية الآمل للكحلاني : ( 1/109)
 ([29])  ينظر : قاعدة المشقة تجلب التيسير للماحسين : (صـ166).
 ([30])  مقاييس اللغة لابن فارس مادة : «شقّ».
 ([31])  ينظر : قاعدة المشقة تجلب التيسير للدكتور يعقوب الباحسين : (صـ25).
 ([32])  ينظر: البرهان للحرمين : (2/606) ، والغياثي للحرمين: ( ص357)، والمنثور للزركشي : (2/24-25)، والأشباه والنظائر للسيوطي: (ص62) ، و والأشباه والنظائر لابن نجيم : (ص100). ونظرية الضرورة الشرعية للزحيلي : (ص262).
 ([33]) ينظر : قواعد الأحكام في مصالح الأنام : (ص61) ، صناعة الفتوى لعبد الله محفوظ بن بية : (ص200).
[34]) )  البرهان : (1/924).
 ([35]) نظرية الضرورة  الشرعية للزحيلي : (ص262).
 ([36]) ينظر : صناعة الفتوى في فقه الأقليات للشيخ عبد الله بن محفوظ بن بية : (ص200-202).
([37]) ينظر : نظرية الضرورة الشرعية للزحيلي : (ص273).
([38]) مقاييس اللغة لابن فارس(ص935) مادة «لحّ».
([39]) الحاجة وأثرها في الأحكام للدكتور أحمد ناصر الرشيد : (ص119).
([40]) المدونة : (1/336).
 ([41])  مواهب الجليل في شرح مختصرخليل للحطاب : (2/205) .
 ([42]) فتح القديرلابن الهمام : (4/416).
([43]) حاشية الجمل لسليمان جمل : (1/590).
([44])  الأم للشافعي : (3/28).
([45]) ينظر : صناعة الفتوى في فقه الأقليات لعبد الله بن بية : (ص200).
([46]) انظر : المرجع السابق.
([47])  ينظر : الحاجة الشرعية حدودها وقواعدها لأحمد الكافي : (ص64-68) ، والحاجة الشرعية حقيقتها وأدلتها وضوابطها للدكتور نور الدين الخادمي (ص31-35) 
([48]) أخجها ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا.
([49]) الموافقات للشاطبي : (2/94).
([50]) ينظر : الحاجة الشرعية وأثرها في الأحكام : (ص182).
([51]) الحاجة الشرعية حقيقتها وأدلتها لنور الدين الخادمي : (ص47)

No comments:

Post a Comment

item